أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
208
العقد الفريد
ومن قولي فيه أيضا : وا كبدا قد قطّعت كبدي * وحرّقتها لواعج الكمد ما مات حيّ لمت أسفا * أعذر من والد على ولد يا رحمة اللّه جاوري جدثا * دفنت فيه حشاشتي بيدي ونوّرى ظلمة القبور على * من لم يصل ظلمه إلى أحد من كان خلوا من كلّ بائقة * وطيّب الرّوح طاهر الجسد يا موت ، يحيى لقد ذهبت به * ليس بزمّيلة ولا نكد « 1 » يا موته لو أقلت عثرته * يا يومه لو تركته لغد يا موت لو لم تكن تعاجله * لكان لا شكّ بيضة البلد « 2 » أو كنت راخيت في العنان له * حاز العلا واحتوى على الأمد « 3 » أيّ حسام سلبت رونقه * وأيّ روح سللت من جسد وأيّ ساق قطعت من قدم * وأيّ كفّ أزلت من عضد يا قمرا أجحف الخسوف به * قبل بلوغ السواء في العدد « 4 » أيّ حشى لم يذب له أسفا * وأيّ عين عليه لم تجد « 5 » لا صبر لي بعده ولا جلد * فجعت بالصبر فيه والجلد لو لم أمت عند موته كمدا * لحقّ لي أن أموت من كمدي يا لوعة لا يزال لاعجها * يقدح نار الأسى على كبدي « 6 » وقلت فيه أيضا : قصد المنون له فمات فقيدا * ومضى على صرف الخطوب حميدا بأبي وأمي هالكا أفردته * قد كان في كلّ العلوم فريدا سود المقابر أصبحت بيضا به * وغدت له بيض الضمائر سودا
--> ( 1 ) الزميل : الجبان الضعيف . ( 2 ) بيضة البلد : السيد . ( 3 ) الأمد : الغاية . ( 4 ) السواء : أي أنه لم يكتمل . ( 5 ) لم تجد : لم تذرف الدمع . ( 6 ) لاعجها : لهبها وحرّها .